فصل: قال ابن الجوزي:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.قال ابن عطية:

قوله: {وإن تجهر بالقول}.
معناه وإن كنتم أيها الناس إذ أردتم إعلام أحد بأمر أو مخاطبة أوثانكم وغيرها فأنتم تجهرون بالقول فإن الله الذي هذه صفاته {يعلم السر وأخفى} فالمخاطبة ب {تجهر} لمحمد عليه السلام وهي مراد جميع الناس إذ هي آية اعتبار، واختلف الناس في ترتيب {السر} وما هو {أخفى} منه، فقالت فرقة {السر} هو الكلام الخفي كقراءة السر في الصلاة، والأخفى هو ما في النفس، وقالت فرقة وهو ما في النفس متحصلًا، والأخفى هو ما سيكون فيها في المستأنف، وقالت فرقة {السر} هو ما في نفوس البشر، وكل ما يمكن أن يكون فيها في المستأنف بحسب الممكنات من معلومات البشر، والأخفى هو ما من معلومات الله لا يمكن أن يعلمه البشر البتة ع: فهذا كله معلوم لله عز وجل.
وقد تؤول على بعض السلف أنه جعل {أخفى} فعلاَ ماضيًا وهذا ضعيف، و{الأسماء الحسنى} يريد بها التسميات التي تضمنتها المعاني التي هي في غاية الحسن ووحد الصفة مع جمع الموصوف لما كانت التسميات لا تعقل، وهذا جار مجرى {مآرب أخرى} [طه: 18] {ويا جبال أوبي معه} [سبأ: 10] وغيره، وذكر أهل العلم أن هذه الأسماء هي التي قال فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن لله تسعة وتسعين إسمًا مائة إلا واحدًا من أحصاها دخل الجنة» وذكرها الترمذي وغيره مسنده. اهـ.

.قال ابن الجوزي:

قوله تعالى: {وإِن تجهر بالقول}.
أي: ترفع صوتك {فإنه يعلم السِّرَّ} والمعنى: لا تجهد نفسك برفع الصوت، فإن الله يعلم السرّ.
وفي المراد ب {السِّرَّ وأخفى} خمسة أقوال:
أحدها: أن السرّ: ما أسره الإِنسان في نفسه، وأخفى: ما لم يكن بَعْدُ وسيكون، رواه جماعة عن ابن عباس، وبه قال الضحاك.
والثاني: أن السرّ: ما حدَّثتَ به نفسك، وأخفى: ما لم تلفظ به، قاله سعيد بن جبير.
والثالث: أن السرّ: العمل الذي يُسِرُّه الإِنسان من الناس، وأخفى منه: الوسوسةُ، قاله مجاهد.
والرابع: أن معنى الكلام: يعلم إِسرار عباده، وقد أخفى سرَّه عنهم فلا يُعْلَم، قاله زيد بن أسلم، وابنه.
والخامس: يعلم ما أسرَّه الإِنسان إِلى غيره، وما أخفاه في نفسه، قاله الفراء.
قوله تعالى: {له الأسماء الحسنى} قد شرحناه في [الأعراف: 180]. اهـ.

.قال القرطبي:

قوله تعالى: {وَإِن تَجْهَرْ بالقول فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السر وَأَخْفَى}.
قال ابن عباس: السر ما حَدَّث به الإنسان غيره في خفاء، وأخفى منه ما أضمر في نفسه مما لم يحدّث به غيره.
وعنه أيضًا: السر حديث نفسك، وأخفى من السر ما ستحدث به نفسك مما لم يكن وهو كائن؛ أنت تعلم ما تسِر به نفسك اليوم، ولا تعلم ما تُسِرّ به غدًا، والله يعلم ما أسررت اليوم وما تسرّه غدًا؛ والمعنى: الله يعلم السّر وأخفى من السّر.
وقال ابن عباس أيضًا: {السر} ما أسر ابن آدم في نفسه، {وَأَخْفَى} ما خفي على ابن آدم مما هو فاعله وهو لا يعلمه، فالله تعالى يعلم ذلك كله، وعلمه فيما مضى من ذلك وما يستقبل علم واحد، وجميع الخلائق في علمه كنفس واحدة.
وقال قتادة وغيره: {السر} ما أضمره الإنسان في نفسه، {وأخفى} منه ما لم يكن ولا أضمره أحد.
وقال ابن زيد: {السر} سرّ الخلائق، {وأخفى} منه سِره عز وجل؛ وأنكر ذلك الطبري، وقال: إن الذي هو {أخفى} ما ليس في سر الإنسان وسيكون في نفسه كما قال ابن عباس.
{الله لا إله إِلاَّ هُوَ لَهُ الأسماء الحسنى} {الله} رفع بالابتداء، أو على إضمار مبتدأ، أو على البدل من الضمير في {يعلم}.
وَحَّدَ نفسه سبحانه؛ وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا المشركين إلى عبادة الله تعالى وحده لا شريك له، فكبر ذلك عليهم، فلما سمعه أبو جهل يذكر الرحمن قال للوليد بن المغيرة: محمد ينهانا أن ندعو مع الله إلها آخر وهو يدعو الله والرحمن؛ فأنزل الله تعالى: {الرحمن عَلَى العرش استوى} وأنزل: {قُلِ ادعوا الله أَوِ ادعوا الرحمن أَيًّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأسماء الحسنى} [الإسراء: 110] وهو واحد وأسماؤه كثيرة؛ ثم قال: {الله لا إله إِلاَّ هُوَ لَهُ الأسماء الحسنى} وقد تقدم التنبيه عليها في سورة الأعراف. اهـ.

.قال أبو حيان:

ولما ذكر تعالى أولًا إنشاء السموات والأرض وذكر أن جميع ذلك وما فيهما ملكه ذكر تعالى صفة العلم وأن علمه لا يغيب عنه شيء والخطاب بقوله: {وإن تجهر بالقول} للرسول ظاهر أو المراد أمته، ولما كان خطاب الناس لا يتأتى إلاّ بالجهر بالكلام جاء الشرط بالجهر وعلق على الجهر علمه بالسر لأن علمه بالسر يتضمن علمه بالجهر، أي إذا كان يعلم السر فأحرى أن يعلم الجهر والسر مقابل للجهر كما قال: {يعلم سركم وجهركم} والظاهر أن {أخفى} أفعل تفضيل أي {وأخفى} من السر.
قال ابن عباس: {السر} ما تسره إلى غيرك، والأخفى ما تخفيه في نفسك وقاله الفراء.
وعن ابن عباس أيضًا {السر} ما أسره في نفسه، والأخفى ما خفي عنه مما هو فاعله وهو لا يعلمه.
وعن قتادة: قريب من هذا.
وقال مجاهد: {السر} ما تخفيه من الناس {وأخفى} منه الوسوسة.
وقال ابن زيد {السر} سر الخلائق {وأخفى} منه سره تعالى وأنكر ذلك الطبري.
وقيل: {السر} العزيمة {وأخفى} منه ما لم يخطر على القلب، وذهب بعض السلف إلى أن قوله: {وأخفى} هو فعل ماض لا أفعل تفضيل أي {يعلم} أسرار العباد {وأخفى} عنهم ما يعلمه هو كقوله: {يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه} وقوله: {ولا يحيطون به علمًا} قال ابن عطية: وهو ضعيف.
وقال الزمخشري: وليس بذلك قال: فإن قلت: كيف طابق الجزاء الشرط؟ قلت: معناه إن تجهر بذكر الله من دعاء أو غيره فاعلم أنه غني عن جهرك فإما أن يكون نهيًا عن الجهر كقوله: {واذكر ربك في نفسك تضرعًا وخيفة ودون الجهر من القول} وإما تعليمًا للعباد أن الجهر ليس لإسماع الله وإنما هو لغرض آخر انتهى.
والجلالة مبتدأ و{لا إله إلاّ هو} الخبر و{له الأسماء الحسنى} خبر ثان، ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف كأنه قيل من ذا الذي يعلم السر وأخفى؟ فقيل: هو {الله} و{الحسنى} تأنيث الأحسن وصفة المؤنثة المفردة تجري على جمع التكسير، وحسن ذلك كونها وقعت فاصلة والأحسنية كونها تضمنت المعاني التي هي في غاية الحسن من التقديس والتعظيم والربوبية، والأفعال التي لا يمكن صدورها إلاّ منه، وذكروا أن هذه {الأسماء} هي التي قال فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن لله تسعًا وتسعين اسمًا من أحصاها دخل الجنة» وذكرها الترمذي مسندة. اهـ.

.قال أبو السعود:

{وَإِن تَجْهَرْ بالقول}.
بيانٌ لإحاطة علمِه تعالى بجميع الأشياء إثرَ بيانِ سعةِ سلطنتِه وشمولِ قدرتِه لجميع الكائنات، أي وإن تجهَرْ بذكره تعالى ودعائِه فاعلم أنه تعالى غنيٌّ عن جهرك {فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السر وَأَخْفَى} أي ما أسرَرْته إلى غيرك وشيئًا أخفى من ذلك وهو ما أخطَرْته ببالك من غير أن تتفوّه به أصلًا، أو ما أسرَرْتَه لنفسك وأخفى منه وهو ما ستُسِرُّه فيما سيأتي، وتنكيرُه للمبالغة في الخفاء، وهذا إما نهيٌ عن الجهر كقوله تعالى: {واذكر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الجهر مِنَ القول} وإما إرشادٌ للعباد إلى أن الجهرَ ليس لإسماعه سبحانه بل لغرض آخرَ من تصوير النفسِ بالذكر، وتثبيتِه فيها، ومنْعِها من الاشتغال بغيره، وقطعِ الوسوسةِ عنها، وهضمِها بالتضرّع والجُؤار وقوله تعالى: {الله} خبرُ مبتدأ محذوفٍ، والجملةُ استئنافٌ مَسوقٌ لبيان أن ما ذُكر من صفات الكمالِ موصوفُها ذلك المعبودُ بالحق، أي ذلك المنعوتُ بما ذكر من النعوت الجليلةِ الله عز وجل وقوله تعالى: {لاَ إله إِلاَّ هُوَ} تحقيقٌ للحق وتصريحٌ بما تضمّنه ما قبله من اختصاص الألوهيةِ به سبحانه، فإن ما أُسند إليه تعالى من خلق جميعِ الموجوداتِ والرحمانيةِ والمالكيةِ للكل والعلمِ الشاملِ مما يقتضيه اقتضاءً بينًا، وقوله تعالى: {لَهُ الأسماء الحسنى} بيانٌ لكون ما ذكرَ من الخالقية والرحمانيةِ والمالكيةِ والعالَمية أسماءَه وصفاتِه من غير تعددٍ في ذاته تعالى، فإنه روي أن المشركين حين سمعوا النبيَّ عليه الصلاة والسلام يقول: «يا الله يا رحمن» قالوا: ينهانا أن نعبُدَ إلهين وهو يدعو إلها آخرَ. والحُسنى تأنيثُ الأحسن يوصف به الواحدةُ المؤنثةُ والجمعُ من المذكر والمؤنث كمآربُ أخرى، وآياتِنا الكبرى. اهـ.

.قال الألوسي:

{وَإِن تَجْهَرْ بالقول} إلخ.
بيان لإحاطة علمه تعالى بجميع الأشياء إثر بيان شمول قدرته تعالى لجميع الكائنات، والخطاب على ما قاله في البحر: للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد أمته عليه الصلاة والسلام، وجوز أن يكون عامًا أي وإن ترفع صوتك أيها الإنسان بالقول {فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السر} أي ما أسررته إلى غيرك ولم ترفع صوتك به {وَأَخْفَى} أي وشيئًا أخفى منه وهو ما أخطرته ببالك من غير أن تتفوه به أصلًا، وروى ذلك عن الحسن.
وعكرمة أو ما أسررته في نفسك وما ستسره فيها وروى ذلك عن سعيد بن جبير.
وروى عن السيدين الباقر والصادق السر ما أخفيته في نفسك والأخفى ما خطر ببالك ثم أنسيته.
وقيل: {أُخْفِىَ} فعل ماض عطف على {يَعْلَمْ} يعني أنه تعالى يعلم أسرار العباد وأخفى ما يعلمه سبحانه، عنهم وهو كقوله تعالى: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} [طه: 110]، وروى ذلك أبو الشيخ في العظمة عن زيد بنأسلم وهو خلاف الظاهر جدًا؛ فالمعول عليه أنه أفعل تفضيل والتنكير للمبالغة في الخفاء، والمتبادر من القول ما يمل ذكر الله تعالى وغيره وإليه ذهب بعضهم، وخصه جماعة بذكره سبحانه ودعائه على أن التعريف للعهد لأن استواء الجهر والسر عنده سبحانه المدلول عليه في الكلام يقتضي أن الجهر المذكور في خطابه عز وجل، وعلى القولين قوله تعالى: {فَإِنَّهُ} قائم مقام جواب الشرط وليس الجواب في الحقيقة لأن علمه تعالى السر وأخفى ثابت قبل الجهل بالقول وبعده وبدونه.
والأصل عند البعض وإن يجهر بالقول فاعلم أن الله تعالى يعلمه فإنه يعلم السر وأخفى فضلًا عنه.
وعند الجماعة وإن تجهر فاعلم أن الله سبحانه غني عن جهرك فإنه.. إلخ، وهذا على ما قيل إرشاد للعباد إلى التحري والاحتياط حين الجهر فإن من علم أن الله تعالى يعلم جهره لم يجهر بسوء، وخص الجهر بذلك لأن أكثر المحاورات ومخاطبات الناس به، وقيل: إرشاد للعباد إلى أن الجهر بذكر الله تعالى ودعائه ليس لإسماعه سبحانه بل لغرض آخر من تصوير النفس بالذكر وتثنيته فيها ومنعها من الاشتغال بغيره وقطع الوسوسة وغير ذلك، وقيل: نهى عن الجهر بالذكر والدعاء كقوله تعالى: {تُرْحَمُونَ واذكر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الجهر مِنَ القول} [الأعراف: 205].
وأنت تعلم أن القول بأن الجهر بالذكار والدعاء منهي لا ينبغي أن يكون على إطلاقه.
والذي نص عليه الإمام النووي في فتاويه أن الجهر بالذكر حيث لا محذور شرعيًا مشروع مندوب إليه بل هو أفضل من الإخفاء في مذهب الإمام الشافعي وو ظاهر مذهب الإمام أحمد وإحدى الروايتين عن الإمام مالك بنقل الحافظ ابن حجر في فتح الباري وهو قول لقاضيخان في فتاويه في ترجمة مسائل كيفية القراءة وقوله في باب غسل الميت: ويكره رفع الصوت بالذكر، فالظاهر أنه لمن يمشي مع الجنازة كما هو مذهب الشافعية لا مطلقًا كما تفهمه عبارة البحر الرائق وغيره وهو قول الإمامين في تكبير عيد الفطر كالأضحى، ورواية عن الإمام أبي حنيفة نفسه رضي الله تعالى عنه بل في مسنده ما ظاهره استحباب الجهر بالذكر مطلقًا، نعم قال ابن نجيم في البحر نقلًا عن المحقق ابن الهمام في فتح القدير ما نصه قال أبو حنيفة: رفع الصوت بالذكر بدعة مخالفة للأمر من قوله تعالى: {واذكر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ} [الأعراف: 205] الآية فيقتصر على مورد الشرع، وقد ورد به في الأضحى وهو قوله سبحانه: {واذكروا الله في أَيَّامٍ معدودات} [البقرة: 203].
وأجاب السيوطي في نتيجة الذكر عن الاستدلال بالآية السابقة بثلاثة أوجه، الأول: أنها مكية ولما هاجر صلى الله عليه وسلم سقط ذلك، الثاني: أن جماعة من المفسرين منهم عبد الرحمن بن زيد بن أسلم.
وابن جرير حملوا الآية على الذكر حال قراءة القرآن وأنه أمر له عليه الصلاة والسلام بالذكر على هذه الصفة تعظيمًا للقرآن وأنه أمر له عليه الصلاة والسلام بالذكر على هذه الصفة تعظيمًا للقرآن أن ترفع عنده الأصوات، ويقويه اتصالها بقوله تعالى: {وَإِذَا قرئ القرءان} [الأعراف: 204] الآية، الثالث: ما ذكره بعض الصوفية أن الأمر في الآية خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم الكامل المكمل وأما غيره عليه الصلاة والسلام ممن هو محل الوساوس فمأمور بالجهر لأنه أشد تأثيرًا في دفعها وفيه ما فيه.
واختار بعض المحققين أن المراد دون الجهر البالغ أو الزائد على قدر الحاجة فيكون الجهر المعتدل، والجهر بقدر الحاجة داخلًا في المأمور به، فقد صح ما يزيد على عشرين حديثًا في أنه صلى الله عليه وسلم كثيرًا ما كان يجهر بالذكر.
وصح عن أبي الزبير أنه سمع عبد الله بن الزبير يقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سلم من صلاته يقول بصوته الأعلى «لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير لا حول ولا قوة إلا بالله ولا نعبد إلا إياه له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون» وهو محمول على اقتضاء حاجة التعليم ونحوه لذلك، وما في الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم وكنا إذا أشرفنا على واد هللنا وكبرنا ارتفعت أصواتنا فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «يا أيها الناس أربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا إنه معكم إنه سميع قريب» محمول على أن النهي المستفاد التزامًا من أمر أربعوا الذي بمعنى ارفقوا ولا تجهدوا أنفسكم مراد به النهي عن المبالغة في رفع الصوت، وبتقسيم الجهر واختلاف أقسامه في الحكم يجمع بين الروايتين المختلفتين عن الإمام أبي حنيفة، وما ذكر في الواقعات عن ابن مسعود من أنه رأى قومًا يهللون برفع الصوت في المسجد فقال: ما أراكمم إلا مبتدعين حتى أخرجهم من المسجد لا يصح عند الحفاظ من الأئمة المحدثين، وعلى فرض صحته هو معارض بما يدل عليه ثبوت الجهر منه رضي الله تعالى عنه مما رواه غير واحد من الحفاظ أو محمول على الجهر البالغ، وخبر خير الذكر الخفي وخير الرزق أو العيش ما يكفي صحيح.
وعزاه الإمام السيوطي إلى الإمام أحمد وابن حبان والبيهقي عن سعد بن أبي وقاص، وعزاه أبو الفتح في سلاح المؤمن إلى أبي عوانة في مسنده الصحيح أيضًا، وهو محمول على من كان في موضع يخاف فيه الرياء أو الإعجاب أو نحوهما، وقد صح أيضًا أنه عليه الصلاة والسلام جهر بالدعاء وبالمواعظ لكن قال غير واحد من الأجلة: إن إخفاء الدعاء أفضل.
وحد الجهر على ما ذكره ابن حجر الهيتمي في المنهج القويم أن يكون بحيث يسمع غيره والإسرار بحيث يسمع نفسه.
وعند الحنفية في رواية أدنى الجهر إسماع نفسه وأدنى المخافتة تصحيح الحروف وهو قول الكرخي.
وفي كتاب الإمام محمد إشارة إليه، والأصح كما في المحيط قول الشيخين الهندواني والفضلي وهو الذي عليه الأكثر أن أدنى الجهر إسماع غيره وأدنى المخافتة إسماع نفسه.
ومن هنا قال في فتح القدير: إن تصحيح الحروف بلا صوت إيماءًا إلى الحروف بعضلات المخارج لا حروف إذ الحروف كيفية تعرض للصوت فإذا انتفى الصوت المعروف انتفى الحرف العارض وحيث لا حرف فلا كلام بمعنى المتكلم به فلا قراءة بمعنى التكلم الذي هو فعل اللسان فلا مخافتة عند انتفاء الصوت كما لا جهر انتهى محررًا، وقد ألف الشيخ إبراهيم الكوراني عليه الرحمة في تحقيق هذه المسألة رسالتين جليلتين سمي أولاهما: نشر الزهر في الذكر بالجهر وثانيتهما: باتحاف المنيب الأواه بفضل الجهر بذكر الله رد فيها على بعض أهل القرن التاسع من علماء الحنفية من أعيان دولة ميرزا أبلغ بيك بن شاه دخ الكوركاني حيث أطلق القول بكون الجهر بالذكر بدعة محرمة وألف في ذلك رسالة، ولعله يأتي إن شاء الله تعالى زيادة بسط لتحقيق هذه المسألة والله تعالى الموفق.
وقوله سبحانه: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (8)}.
قوله سبحانه {اللَّهِ} خبر مبتدأ محذوف والجملة استئناف مسوق لبيان أن ما ذكر من صفات الكمال موصوفها ذلك المعبود الحق أي ذلك المنعوت بما ذكر من النعوت الجليلة الله عز وجل، وقوله تعالى: {لاَ إله إِلاَّ هُوَ} تحقيق للحق وتصريح بما تضمنه ما قبله من اختصاص الألوهية به سبحانه فإن ما أسند إليه عز شأنه من خلق جميع الموجودات والعلو اللائق بشأنه على جميع المخلوقات والرحمانية والمالكية للعلويات والسلفيات والعلم الشامل مما يقتضيه اقتضاء بينًا، وقوله تبارك اسمه {لَهُ الأسماء الحسنى} بيان لكون ما ذكر من الخالقية وغيرها أسماءه تعالى وصفاته من غير تعدد في ذاته تعالى وجاء الاسم بمعنى الفة ومنه قوله تعالى: {وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَاء قُلْ سَمُّوهُمْ} [الرعد: 33] والحسنى تأنيث الأحسن وصفة المؤنثة المفردة تجرى على جمع التكسير وحسن ذلك كونها وقعت فاصلة، وقيل: تضمنها الإشارة إلى عدم التعدد حقيقة بناء على عدم زيادة صفاته تعالى على ذاته واتحادهما معها وفضل أسماء الله تعالى على سائر الأسماء في غاية الظهور، وجوز أبو حيان كون الاسم الجليل مبتدأ وجملة {لاَ إله إِلاَّ هُوَ} خبره وجملة {لَهُ الأسماء الحسنى} خبر بعد خبر، وظاهر صنيعه يقتضي اختيار لأنه المتبادر للذهن، ولا يخفى على المتأمل أولية ما تقدم. اهـ.